محمد بن جرير الطبري
114
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
واخترناهم لنبوتنا ورسالتنا . وقرأ ذلك بعض قراء البصرة : " إنه من عبادنا المخلصين " بكسر اللام ، بمعنى : أن يوسف من عبادنا الذين أخلصوا توحيدنا وعبادتنا ، فلم يشركوا بنا شيئا ، ولم يعبدوا شيئا غيرنا . والصواب من القول في ذلك أن يقال : إنهما قراءتان معروفتان قد قرأ بهما جماعة كثيرة من القراء ، وهما متفقتا المعنى ؛ وذلك أن من أخلصه الله لنفسه فاختاره ، فهو مخلص لله التوحيد والعبادة ، ومن أخلص توحيد الله وعبادته فلم يشرك بالله شيئا ، فهو من أخلصه الله ، فبأيتهما قرأ القارئ فهو الصواب مصيب . القول في تأويل قوله تعالى : وَاسْتَبَقَا الْبابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ يقول جل ثناؤه : واستبق يوسف وامرأة العزيز باب البيت . أما يوسف ففرارا من ركوب الفاحشة لما رأى برهان ربه فزجره عنها . وأما المرأة فطلبها يوسف لتقضي حاجتها منه التي راودته عليها ، فأدركته فتعلقت بقميصه ، فجذبته إليها مانعة له من الخروج من الباب ، فقدته من دبر ، يعني : شقته من خلف لا من قدام ، لأن يوسف كان هو الهارب وكانت هي الطالبة . كما : حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قال : استبق هو والمرأة الباب ، وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق ، قال : لما رأى برهان ربه ، انكشف عنها هاربا ، واتبعته ، فأخذت قميصه من دبر فشقته عليه وقوله : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ يقول جل ثناؤه : وصادفا سيدها وهو زوج المرأة لدى الباب ، يعني : عند الباب . كالذي : حدثني الحارث ، قال : ثنا عبد العزيز ، قال : ثنا الثوري ، عن رجل ، عن مجاهد : وَأَلْفَيا سَيِّدَها قال : سيدها : زوجها ، لَدَى الْبابِ قال : عند الباب حدثني المثنى ، قال : ثنا إسحاق ، قال : ثنا يحيى بن سعيد ، عن أشعث ، عن الحسن ، عن زيد بن ثابت ، قال : السيد : الزوج حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ أي عند الباب حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا عمرو بن محمد ، عن أسباط ، عن السدي : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ قال : جالسا عند الباب وابن عمها معه . فلما رأته قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إنه راودني عن نفسي ، فدفعته عن نفسي ، فشققت قميصه قال يوسف : بل هي راودتني عن نفسي ، وفررت منها فأدركتني ، فشقت قميصي فقال ابن عمها : تبيان هذا في القميص ، فإن كان القميص ، قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين ، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين . فأتي بالقميص ، فوجده قد من دبر قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هذا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخاطِئِينَ حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : وَأَلْفَيا سَيِّدَها لَدَى الْبابِ إطفير قائما على باب البيت . فَقالَتْ وهابته : ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ ولطخته مكانها بالسيئة فرقا من أن يتهمها صاحبها على القبيح . فقال هو ، وصدقه الحديث : هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي . وقوله : قالَتْ ما جَزاءُ مَنْ أَرادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً يقول تعالى ذكره : قالت امرأة العزيز لزوجها لما ألفياه عند الباب ، فخافت أن يتهمها بالفجور : ما ثواب رجل أراد بامرأتك الزنا إلا أن يسجن في السجن أو إلا عذاب أليم ؟ يقولا : موجع وإنما قال : إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذابٌ أَلِيمٌ لأن قوله : إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ بمعنى إلا السجن ، فعطف العذاب عليه ؛ وذلك أن " أن " وما عملت فيه بمنزلة الاسم القول في تأويل قوله تعالى : قالَ هِيَ راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ . . . قالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ يقول تعالى ذكره : قال يوسف لما قذفته امرأة العزيز بما قذفته